الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
246
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ المزمل : 5 ] . فالمعنى : أن صلاة الليل أعون على تذكر القرآن والسلامة من نسيان بعض الآيات ، وأعون على المزيد من التدبر . قال ابن عباس : وَأَقْوَمُ قِيلًا : أدنى من أن يفقهوا القرآن . وقال قتادة : أحفظ للقراءة ، وقال ابن زيد : أقوم قراءة لفراغه من الدنيا . وانتصب وَطْئاً و قِيلًا نسبة تمييزي ل أَشَدُّ ول أَقْوَمُ . [ 7 ] [ سورة المزمل ( 73 ) : آية 7 ] إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ( 7 ) فصل هذه الجملة دون عطف على ما قبلها يقتضي أن مضمونها ليس من جنس حكم ما قبلها ، فليس المقصود تعيين صلاة النهار إذ لم تكن الصلوات الخمس قد فرضت يومئذ على المشهور ، ولم يفرض حينئذ إلّا قيام الليل . فالذي يبدو أن موقع هذه الجملة موقع العلة لشيء مما في جملة إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [ المزمل : 6 ] وذلك دائر : بين أن يكون تعليلا لاختيار الليل لفرض القيام عليه فيه ، فيفيد تأكيدا للمحافظة على قيام الليل لأن النهار لا يغني غناءه فيتحصل من المعنى : قم الليل لأن قيامه أشد وقعا وأرسخ قولا ، لأن النهار زمن فيه شغل عظيم لا يترك لك خلوة بنفسك . وشغل النبي صلى اللّه عليه وسلم في النهار بالدعوة إلى اللّه وإبلاغ القرآن وتعليم الدين ومحاجة المشركين وافتقاد المؤمنين المستضعفين ، فعبر عن جميع ذلك بالسبح الطويل ، وبين أن يكون تلطفا واعتذارا عن تكليفه بقيام الليل ، وفيه إرشاد إلى أن النهار ظرف واسع لإيقاع ما عسى أن يكلفه فيام الليل من فتور بالنهار لينام بعض النهار وليقوم بمهامه فيه . ويجوز أن يكون تعليلا لما تضمنه أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [ المزمل : 3 ] ، أي إن نقصت من نصف الليل شيئا لا يفتك ثواب عمله ، فإن لك في النهار متسعا للقيام والتلاوة مثل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [ الفرقان : 62 ] . وقد ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي في النهار من أول البعثة قبل فرض الصلوات الخمس كما دل عليه قوله تعالى : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى [ العلق : 9 ، 10 ] . وقد تقدم في سورة الجن أن استماعهم القرآن كان في صلاة النبي صلى اللّه عليه وسلم بأصحابه في نخلة في طريقهم إلى عكاظ . ويظهر أن يكون كل هذا مقصودا لأنه مما تسمح به دلالة كلمة سَبْحاً طَوِيلًا وهي من بليغ الإيجاز .